ولأهمية هذا النداء الذي أطلقه د. عادل العماد في مقال له عبر صحيفة الثورة في 4 نوفمبر 2006، وسبق به أول مؤتمر للمعايير وجودة الخدمات الصحية في اليمن بأكثر من خمسة سنوات، نعيد نشره للأهمية...
المحررإذا استطاعت اليابان فلماذا لا نستطيع؟
هذا هو عنوان مقالة للدكتور إدوارد ديمنج قدمتها بي. بي. سي الأمريكية في 14 يونيو 1984م، وقد لقب د. ديمنج بأبي الجودة لأنه أسهم في استخدام الأساليب الإحصائية في عمليات فحص واختبار الجودة منذ منتصف القرن الماضي، وبعدها تزايد الاهتمام بالجودة تدريجياً خلال النصف الثاني من القرن الماضي، ولا سيما مع بروز ظاهرة العولمة وثورة الاتصالات والمعلومات والتجارة الحرة، وذلك لأن الجودة في ظل العولمة أصبحت سلاحاً تنافسياً أساسياً.
ولا يقتصر تطبيق أسس الجودة على السلع وإنما يمتد إلى الخدمات التي أصبحت مؤخراً تستحوذ على حصة سوقية أكبر من تلك التي تستحوذ عليها السلع.
وقد مر مفهوم إدارة الجودة بتطورات مرحلية عديدة بدأت بمرحلة الفحص والتفتيش بلوغاً إلى إدارة الجودة الشاملة (Total Quality Management)، والجودة التي نتحدث عنها تم تعريفها بعشرات التعاريف التي لا تختلف كثيراً عن بعضها، فعرفها البعض أنها الملائمة للاستخدام (جوران)، أو المطابقة للمواصفات والمعايير (كروسبي)، أو رضا الزبون عند أقل تكلفة (فيجنباوم).
«أجمل تعاريف الجودة: أنها فعل الشيء الصحيح بشكل صحيح ومن المرة الأولى وفي كل الأوقات».
وإذا كان العالم يسير باتجاه التنافس في جودة السلع والخدمات مهما كانت هذه السلع وتلك الخدمات هامشية أو تكميلية وغير ذات قيمة، فكيف بنا عندما نتحدث عن جودة الخدمات الصحية التي يؤدي التقصير فيها إلى عواقب وخيمة قد تؤدي إلى وفيات أو إعاقات أو إلى مزيد من المعاناة.
وخصوصاً أن مقدم الخدمة الصحية في الأغلب الأعم موثوق ومصدق ويندر أن يناقش المريض طبيبه حول أسلوب الفحص السريري أو مكانه أو نوعية الدواء الموصوف. بينما في المقابل نجد أن هذا المريض نفسه عندما يذهب إلى السوق لشراء أية سلعة كثيراً ما تجده يراجع أكثر من متجر ويتحرى الماركة المشهورة أو المجربة ولا يميل إلى تصديق البائع حتى لو أقسم له إيماناً مغلظة أن سلعته هي الأجود.
ولذلك وأمام الثقة التي يمنحها المرضى لمقدمي الخدمات الصحية عموماً والأطباء بشكل خاص فإن ذلك يعزز أهمية تطبيق أسس الجودة على كافة الخدمات الصحية المقدمة، مع أهمية وجود آليات لقياس أداء النظم الصحية.
وإذا كان هذا الأمر هاماً في كل الأوقات فإنه في الوقت الراهن أكثر أهمية نتيجة للمستجدات والمتغيرات التي طرأت في السنوات الأخيرة من تزايد تكاليف الرعاية الصحية وزيادة أعباء المراضة وتغير أنماطها. كما أن نظرة المستفيدين وتوقعاتهم اختلفت وتطورت في الوقت الذي يعتبر رضا المستفيد من الخدمة وتلبية احتياجاته وتوقعاته أحد المكونات والعناصر الرئيسية للجودة.
ولإيضاح أهمية تطبيق أسس الجودة نسوق هنا مثلاً عن أثر التطور التقني الذي شهدته مختلف المناحي بما فيها الخدمات الصحية؛ فإننا نجد أن العقدين الأخيرين شهدا استحداث أجهزة تشخيصية متطورة وبكلف باهظة جداً، حيث نجد بعض الفحوصات التشخيصية (إشعاعية أو مخبرية) تصل قيمتها إلى عشرات الآلاف من الريالات.
وعند عدم وجود معايير تحكم وتضبط وتصنف مقدمي الخدمات الصحية (سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات) فسنجد مرضى يبذلون جهوداً مضنية لتوفير مبالغ باهظة لإجراء فحوصات ليس لإجرائها داعٍ، وقد يتم توجيههم نحو مراكز محددة (مختبرات أو أشعة) أو مستشفيات محددة لا تلتزم بأدنى معايير للجودة، وذلك مقابل منافع شخصية تعود على مقدمي الخدمات الصحية. وبالتالي فإن المرضى يخسرون أموالهم مقابل إجراء فحوصات غير ضرورية وبنوعية رديئة.
هل يمكن حماية هؤلاء المرضى بحيث يشعر المريض بالأمان التام عند تلقي الخدمات الصحية، بحيث يضمن أنه لن يتعرض لأي إجراء طبي إلا مع وجود حاجة حقيقية له، كما أنه لن ينفق أية مبالغ بغرض الاستشفاء إلا في موضعها الصحيح؟
بالتأكيد يمكن من خلال تطبيق معايير الجودة حماية هؤلاء، وذلك من خلال ضوابط عملية معلنة بين المعنيين سواء لتنظيم آلية طلب الفحوصات والتدرج فيها، وضوابط ومعايير تحدد مواصفات المراكز التشخيصية المسموح لها بإجراء الفحص المطلوب مع التقييم العلمي دورياً على مدى الالتزام بالضوابط والمعايير، فإن النتيجة الطبيعية لمثل هذه التدابير أن يتم إجراء الفحص عند الحاجة وفي المكان الملائم.
ولا بد لنا هنا أن نعترف أن طريق تحسين جودة الخدمات الصحية طريق طويل وبحاجة لمراحل متعاقبة ولعناء كبير، ولكن كما هتف ديمنج في أمريكا قبل أكثر من ربع قرن:
«فلماذا لا نستطيع؟»
وأصبحت أمريكا حالياً من أكثر الدول اهتماماً بالجودة على الإطلاق؛ فقد آن الأوان لنا أن نهتف اليوم بأنه يمكننا تحسين جودة الخدمات الصحية في يمننا الغالي وبالجد والتكاتف والاهتمام يمكننا تحسين الخدمات الصحية ولو بعد حين.
ولعلنا نمر في مرحلة وجدناها الوقت الأنسب للحديث المفصل عن جودة الخدمات الصحية ونشر سلسلة من المقالات عن السبل التي تمكننا من تحقيقها، وذلك استجابة لما نلمسه من رغبة جادة ومعلنة لدى القيادة السياسية في البدء بحركة دؤوبة في البناء الاقتصادي والتنموي ومكافحة الفساد.
وهل هناك بناء اقتصادي وتنموي أكثر فاعلية من رفع المستوى الصحي للمجتمع؛ لأننا حين نتحدث عن تحسين جودة الخدمات الصحية فإننا نعني إيجاد مستوى ملائم من ثقافة الجودة، تحسين جودة النظام الصحي بأكمله بكل مكوناته وعناصره على المستوى الوطني، بغرض تحسين صحة المجتمع ككل.
بمعنى أننا بحاجة من خلال كتاباتنا عن جودة الخدمات الصحية أن نتخاطب مع فريقين: الفريق الأول هم الكوادر الصحية ابتداءً من القيادات الصحية العليا وانتهاءً بأدنى وظيفة خدمية في أصغر مؤسسة صحية (عامة أو خاصة)، والفريق الثاني هم المستفيدون من الخدمات الصحية.
وهذا يستدعي منا تناول هذه المسائل بأسلوب مبسط حتى يتمكن جمهور القراء استيعابها تمهيداً لجعل جودة الخدمة الصحية من احتياجاتهم وتوقعاتهم عند حاجتهم لتلقي الخدمات الصحية، ونحن كذلك نخطو خطوة نحو إيجاد مستوى ملائم من ثقافة الجودة.
أستاذ مساعد كلية الطب – جامعة صنعاء
صحيفة الثورة — السبت 11 شوال هـ الموافق 4 نوفمبر 2006م — العدد (18597)